السيد كمال الحيدري
242
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
منه إلّا واحد بسيط . النظريّة المشّائية عندما أبصرت النور في هذا الوجود لم تستطع أن توائم بين هذه القاعدة الفلسفيّة وبين الواقع ، حيث إنّ هذا العالم ليس واحداً ، بل متنوّع ومركّب ومتكثّر . أمّا الفيلسوف صدر الدِّين الشيرازي فقد حلَّ هذه المعضلة من خلال إثبات أنّ هذا الوجود واحد ولكن وحدته مشكّكة لها مراتب ، ولتقريب المسألة إلى الأذهان نحن ذكرنا في ما تقدّم أنّ صدر المتألّهين قال بأنّ الإنسان واحد لأنّ الوجدان يقول عن الشخص والفرد بأنّه واحد ، ولكن هذا الشخص ليس له بُعد واحد بل له مراتب وجوديّة متعدّدة كمرتبة الروح ومرتبة البدن . . . وهكذا . وهذا لا يعني أبداً أنّ الإنسان مركّب من وجودين ( الروح والبدن ) ، بل هو وجود واحد له مراتب متعدّدة ، والنفس مع أنّها واحدة حقيقة ، لا يتنافى هذا مع كثرة مراتبها . والحاصل أنّ هذه الوحدة لا تتنافى مع الكثرة ، وهي تنسجم معها تمام الانسجام ، فهي وحدة في عين الكثرة ، وكثرة في عين الوحدة . نفس هذا الكلام قاله الشيرازي في عالم الإمكان ، فهو وجود واحد حقيقة ، وصدرَ من الله سبحانه وتعالى ، ولكن هذه الوحدة الحقيقيّة الموجودة لهذا العالم لا تتنافى مع وجود مراتب متعدّدة له وذلك باعتبار أنّ هذه الوحدة التي نقولها للعالم ليست هي الوحدة العدديّة ، لأنّ الوحدة لو كانت عدديّة فإنّها تتنافى مع الكثرة « 1 » .
--> ( 1 ) قسّم العرفاء الوحدة إلى وحدة عدديّة ووحدة حقّة حقيقيّة ، لأنّ الواحد قد يكون / / واحداً حقيقيّاً وقد لا يكون ، والواحد الحقيقي قد تكون وحدته حقّة وقد لا تكون . وعند الرجوع إلى القرآن الكريم الذي ينسب الوحدة إلى الله ويصفه بها ، فنحن نسأل ما هي طبيعة هذه الوحدة ؟ أوحدة حقيقيّة هي أم وحدة غير حقيقيّة ؟ وإذا كانت حقيقيّة أهي وحدة حقيقيّة حقّة أم غير حقّة ؟ وقد أُجيب عن تلك الوحدة المنسوبة إلى الله تعالى بأنّها وحدة حقّة حقيقيّة ، وهي عين الذات لا أنّها صفة زائدة على الذات ، والمراد من الوحدة الحقّة الحقيقيّة سنخ واحد لا نهاية له ، ولا يقبل الثاني ، فثمَّ فرق كبير بين أن يقبل وجود الله وجود الثاني ، ولكن لا يوجد ثان ، وبين أن لا يقبل وجوده وجود الثاني أساساً . وتوضيح الفارق بالمثال : الوحدة العدديّة هي التي إذا انضمّ إليها شيء صارت اثنين ، وإذا انضمّ إلى الاثنين شيء صار ثلاثة وهكذا . ومن أهمّ خصائص الوحدة العدديّة المحدوديّة والانتهاء ، فما لم ينته الأوّل لا تصل النوبة إلى الثاني ، فلا يُقال للكتاب ثان إلّا عندما ينتهي الأوّل ، أمّا لو كان هناك كتاب لا نهاية له فلا يكون ثمّ مجال لكتاب ثان ، فمتى انتهى الأوّل ليكون هناك ثان . وفي وحدانيّة الله تعالى المراد أنّه لا يوجد له ثان ، بل يستحيل أن يكون له ثان ، وهذا لا يتحقّق إلّا برفض أن تكون وحدته وحدة عدديّة . وللتفصيل في هذا المطلب راجع كتاب التوحيد ، بحوث في مراتبه ومعطياته للسيّد كمال الحيدري ، تقرير جواد كسّار ، ج 1 ، القسم الأوّل ، التوحيد الذاتي .